
جدول المحتويات
الفصل الأول: الإطار المنهجي والإطار النظري للدراسة.
المقدمة:
عانت الدولة العربية منذ نشأتها من أزمات متعددة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، وتتشابه الدول العربية جميعها تقريباً بالظروف التاريخية المتعلقة بالنشأة ومراحل تطور الدولة، فالدول العربية كانت تعتبر "امارات" خلال فترة الخلافة العثمانية، وبعد جلاء العثمانيين وانهيار دولتهم وقعت الدول العربية تحت الاستعمار، فتقاسمت الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى الدول العربية فيما بينها، وخضعت جزر القمر للاحتلال الفرنسي. لاحقاً كانت الشعوب العربية تبحث عن الخلاص من الاستعمار وبدأت بتشكيل حركات التحرر الوطني، ونجحت معظم الدول العربية في التحرر من الاستعمار والحصول على السيادة، وبدأت ببناء دولها المستقلة الديمقراطية. في البداية كان مفهوم الدولة عند العرب يقتصر على مفهوم الإمامة كما وصفها الدكتور عدنان السيد حسين، حيث كان التركيز العربي على مفهوم الدولة الإسلامية والخليفة الواحد بعيداً عن كل مفاهيم الديمقراطية والدولة الحديثة، وكانت الدول العربية لا تزال تحت تأثير التحرر من الاستعمار، ما خلق لديها الرغبة في التشبه بالدول المستعمِرة باعتبارها دول متقدمة، حيث سعت لتسريع حركة التاريخ وأصبحت تابعة للدول الاستعمارية، وحسب المفكر مهدي عامل كان يجب على الدولة العربية في تلك المرحلة تكوين اقتصاد مستقل وتقوية الجيوش العربية والاستقلال في القرار السياسي وتشكيل دول ديمقراطية تقدمية والخروج من حالة التبعية للدول الغربية.
سيناقش البحث أزمة الدولة العربية القطرية في جزر القمر أو كما تسمى رسمياً (الاتحاد القمري)، وهي دولة عربية تقع على المحيط الهندي على الساحل الشرقي لقارة أفريقيا، حيث تبلغ مساحتها 1862 كم² وتعتبر من أكثر الدول كثافة سكانية في قارة أفريقيا حيث يصل تعدادها السكاني ل850,890 نسمة، تتكون جزر القمر من اربعة جزر: وهي جزيرة القمر الكبرى التي تحتوي العاصمة موروني، وجزيرة موهيلي، وجزيرة أنجوان، وجزيرة موالي. يتحدث القمريين ثلاثة لغات رسمية وهي الفرنسية والقمرية والعربية، وتعتبر جزر القمر اخر الدول المنضمة لجامعة الدول العربية وذلك عام 1993.
أهمية البحث:
عانت دولة جزر القمر كما غيرها من الدول العربية من أزمات متعددة في ظروف نشوئها، ويهدف هذا البحث لدراسة أزمة الدولة القطرية في جزر القمر. حيث تتكون جزر القمر من عدة ثقافات وعروق ولغات لها دورها في التأثير على الدولة القمرية، وتلعب هذه العوامل دور مهم في خلق التوليفة السياسية للدولة.
تكمن أهمية البحث في دراسته للتغيرات والتحولات التي مرت بها دولة جزر القمر، ومكانها كلاعب سياسي واقتصادي على الصعيد العربي والافريقي والعالمي، والتطور التاريخي لتشكّل الدولة القمرية منذ نشوئها إلى يومنا هذا، ويدرس البحث أسباب أزمة الدولة في جزر القمر سواء الداخلية أو الخارجية، وكذلك تبعات الاستعمار الفرنسي على الدولة.
مفاهيم الدراسة:
الأزمة:
لا يوجد هناك تعريف محدد للأزمة حيث تتعدد تعريفاتها طبقاً للسياق الذي تورد فيه حسب مريم مخلوف، فالأزمة من الناحية السياسية تختلف عن الأزمة من الناحية الاجتماعية أو الاقتصادية، ولكن قدمت مخلوف تعريفاً عاماً للأزمة وهو: "نقطة تحول مفاجئة في العلاقات بين الدول، تتضمن تهديداً مباشراً للقيم والمصالح العليا لمختلف الفواعل، مما يفرض على صانع القرار اتخاذ مواقف سريعة وفعَّالة في فترة ضيقة، حيث يتوقف احتمال تحول الأزمة إلى صراع أو حرب على كيفية استجابة الأطراف المعنية تجاه الموقف، مما يؤدي إما إلى استقرار النظام الدولي أو اختلال توازنه".
ويتضح من التعريف السابق أن الأزمة ليس لها شكل واحد وتعتمد عنصر المفاجئة وتتضمن تهديد لسيادة الدولة أو الحكومة وقد تتطور لتصبح حرب كما يحدث اليوم في سوريا مثلاً.
الدولة:
يختلف تعريف الدولة حسب النظرية التي تقوم بتعريفه، فيشكّل مفهوم الدولة صراع ايديولوجي بين النظريات المختلفة والتي تملك كل منها أدوات مختلفة لقراءة الواقع وتوضيح المفاهيم، حيث عرف ماكس فيبر الدولة بأنها: "المنظمة التي تمتلك وحدها حق استخدام العنف المشرع قانوناً"، أما كارل ماركس فيعرف الدولة بانها مؤسسة تعطي طبقة معينة السلطة على الطبقات الأخرى في المجتمع وهي ظاهرة اخترعتها البرجوازية بعد ثورتها على النظام الإقطاعي والدخول إلى المرحلة الصناعية لتحكم الطبقة البرجوازية السياسة والمجتمع والاقتصاد بسيطرتها على النظام الصناعي.
تعطي التعريفات السابقة فارقاً واضحاً في تعريف الدولة لدى كل من فيبر وماركس، حيث يعتبر فيبر الدولة منظمة يسمح لها استخدام العنف لتطبيق القانون، أما ماركس فيرى الدولة سيطرة طبقة على أخرى وعلى المجتمع والاقتصاد، ويتشابه التعريفان في اعترافهما في سيادة الدولة على شعبها رغم أن فيبر يراها سيطرة ايجابية وماركس يعتبرها سيطرة سلبية تخلق صراع في المجتمع.
عربياً، هناك خلط كبير بين مفاهيم الدولة الوطنية والأمة ويتعلق ذلك بالتحولات الكبيرة في القرون الماضية في المنطقة العربية، والتي كانت تعامل كأمة عربية واحدة ومن ثم كدول وطنية مثل الدول الموجودة اليوم. تعرّف الأمة بأنها الحيز الذي يتطابق أفراده في اللغة أو التاريخ المشترك أو الدين أو الأصل أو جميعها كالأمة العربية، أما مفهوم الدولة الوطنية فهي منظمة تسيطر على المجتمع والاقتصاد والسياسة ولها بعد جغرافي محدد ولغة محددة وتمتلك سيادة على أراضيها كدولة جزر القمر.
هناك معايير عدة لتقسيم دراسة أنواع الدول يجب أن تقف عندها الدراسة لتوضيح أنواع الدول حيث ستستخدم في هذه الدراسة، المعيار الأول هو نظام الحكم، وتقسم الدول حسب نظام الحكم إلى دستورية وشمولية وزبائنية ورعوية وطرفية ودول سلطوية. أما المعيار الثاني فهو مدى فعالية الدولة واستقرارها وتقسم إلى دول قوية ورخوة وضعيفة وفاشلة ومنهارة.
العالم العربي:
يمتد العالم العربي من المحيط الأطلسي غرباً إلى الخليج العربي شرقاً، ومن بحر العرب واواسط أفريقيا جنوباً إلى حدود تركيا والبحر الأبيض المتوسط شمالاً، وتشابه سكان هذه المنطقة باللغة والتاريخ المشترك حيث يتحدث جميعهم اللغة العربية، وقد أسس العرب عام 1945 جامعة الدول العربية لتجمعهم معاً لتحديد قراراتهم والدفاع عن الأمة العربية، وتعتبر جزر القمر اخر المنضمين لجامعة الدول العربية عام 1993، ويعاني العالم العربي من أزمات متعددة خصوصاً في مرحلة ما بعد الاستعمار حيث أسقط الاستعمار ثقافته وأنظمته الغربية على العالم العربي والذي لم يكن جاهزاً لاستقبالها فأدى هذا حسب مهدي عامل تشكيل ما سماه "الدولة المشوهة".
مراجعة الأدبيات السابقة:
يقدم حسن حمدي عبدالرحمن في مقالته "جزر القمر وأزمة بناء الدولة الوطنية" المنشورة في مركز دراسات الوحدة العربية، المجلة 31، العدد 355، دراسة للأحداث التاريخية التي وقعت في جزء القمر في مرحلة ما قبل الاستقلال، ويصف الخلافات الداخلية والانقلابات العسكرية وعدم استقرار النظام في الدولة القمرية، كما يدرس خياراتها كاتحاد فدرالي في ظل كل هذه الانقسامات، ويدرس حمدي مدى تأثير المفاعيل الداخلية والخارجية على صنع السياسة القمرية والتحكم في سيادتها.
توسّع حمدي في مقالته المكونة من 11 صفحة بذكر أسباب أزمة الدولة القمرية، حيث تعرّض لجميع الأسباب المؤدية للأزمة، لكن دون تحليل هذه الأسباب والعناصر، فلم يدرس دور الاستعمار في الأزمة، وحتى تناوله لدور الاستعمار الفرنسي بعد الاستقلال لا يوضّح للقارئ مدى التأثير الفرنسي في الأزمة، وكذلك تناوله للأسباب الداخلية.
يقدّم الباحث سمير حسني في مقالته "جزر القمر، وبناء الدولة الاتحادية" الصادرة عن جامعة الدول العربية- الأمانة العامة، العدد100، لعام 1999، دراسة لآلية بناء الدولة الاتحادية في جزر القمر، فيتناول التوزيع الجغرافي والديمغرافي لجزر القمر، وكذلك يدرس تاريخ جزر القمر وطريق دخولها إلى الجامعة العربية، كما يتطرق للحديث عن الاقتصاد القمري ومدى المديونية التي تعاني منها جزر القمر، ومن ثم ينطلق في الحديث عن أزمة جزر القمر برغبة جزيرتي "أنجوان" و "موهيتي" بالانفصال، والمؤتمرات والاتفاقيات التي عقدت لتدارك الأزمة والحد من الخلاف بين الجزر القمرية.
لم يتطرق حسني في هذه المقالة لأسباب الأزمة في جزر القمر، وفي دوافع أنجوان وموهيتي الانفصالية، كذلك لم يتحدث عن التدخلات الفرنسية في جزر القمر، ولم يقدم دراسة توضّح تاريخ الأزمة القمرية.
يستهل يوسف علي مباي رسالته الماجستير "التدخلات السياسية وأثرها على الاستقرار السياسي في جزر القمر (1975-2000) المقدمة لجامعة النيلين في مدينة الخرطوم السودانية عام 2003، في إعطاء رؤية عامة عن جزر القمر، ثم يشرح التكوين السياسي والثقافي والاجتماعي للشعب القمري، وفي الفصلين الأخيرين يوضّح مباي مشكلات التدخلات الفرنسية على المجتمع القمري وتكوين الدولة، وكذلك أثرها على الاستقرار السياسي والوحدة الوطنية القمرية، وكذلك أثرها على الوضع الثقافي والاجتماعي، ويوضح أيضاً دور فرنسا في دعم الانقلابات العسكرية المتواصلة في جزر القمر والتي أفقدت الدولة استقرارها.
يحمِّل مباي الاستعمار الفرنسي حالة عدم الاستقرار في جزر القمر، ورغم الدور الكبير للاستعمار الفرنسي في هذه الحالة إلا أن العوامل الداخلية وخصوصاً الانقلابات العسكرية ساهمت بخلق حالة عدم الاستقرار، كذلك لم يتناول الجانب الاقتصادي في بحثه والذي يشكّل عامل مهم من عوامل أزمة الدولة وعدم استقرارها.
تناول مباي الفترة ما بين 1975 و 2000 لدراسة الأثر الفرنسي خلال هذه المرحلة على الجزر، أي تناول مرحلة ما بعد الاستعمار دون دراسة مرحلة الاستعمار ومخلفاتها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بل اكتفى بذكر هذه المرحلة وسرد أحداثها دون تحليل أو تمحيص.
اشتركت الدراسات السابقة عن أزمة الدولة في جزر القمر بعدم التوسع في الأزمة القمرية، بل اقتصرت على ذكر أسباب الأزمة دون تحليل وتمحيص، ويتضح من هذه الدراسات اهتمامها بفترة ما بعد الاستعمار حيث تهمل الفترة التي استُعمرت فيها جزر القمر واثارها، يختلف هذا البحث عن سابقيه لكونه يتناول جميع الأسباب الداخلية والخارجية المسببة لأزمة الدولة القمرية بتحليل وافي لكل سبب، ويدرس تطور النظام السياسي للدولة، كذلك يوضّح أثر فترة الاستعمار على جزر القمر، ويتناول دور الانقسامات الداخلية والانقلابات المتتالية على استقرار الدولة.
إشكالية الدراسة:
مرت جزر القمر بمراحل تاريخية معقدة كما نظيراتها في الدول العربية عموماً، حيث تبدلت عليها دول الاستعمار واختلطت ثقافتها مع غيرها من الدول وتشكل مفهوم الدولة بشكل مشوه فيها، وشهدت انقلابات عسكرية كثيرة وتغييرات متتالية لأنظمة الحكم، كذلك عانت من الاستعمار الفرنسي الذي لا يزال يصير على إحدى الجزر يومنا هذا، بالتالي كان لفرنسا دور كبير في تكوين الدولة القمرية، ومن هنا تطرح هذه الدراسة إشكالية رئيسة مفادها:
ما هي أسباب أزمة الدولة في جزر القمر منذ النشأة وحتى تاريخه؟
وتطرح الدراسة أسئلة فرعية مفادها:
ما هو دور المستعمر الفرنسي في تكوين دولة جزر القمر؟
كيف حافظت الدولة على ذاتها في ظل الخلافات الداخلية؟
ما دور جزر القمر المحلي والاقليمي والعربي؟
الفرضية:
تنطلق الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن أزمة الدولة في جزر القمر ولكن لابد أن أهمها عدم الاستقرار الذي شهدته البلاد، حيث شهدت جزر القمر عدد كبير من الانقلابات العسكرية، وتقلبات كثير في النظام السياسي من اشتراكي وإسلامي وليبرالي، واحتُلت جزر القمر لأكثر من مرة ومن مستعمِرين مختلفين كان اخرهم الاستعمار الفرنسي، ويعتبر التدخل الفرنسي المتواصل حتى اليوم من أسباب الأزمة في البلاد، كما اختلاف القوميات والصراع الداخلي الكبير في جزر القمر، ولعل من أهم أسباب الأزمة القمرية عدم السيادة الكاملة على أراضيها حيث تخضع جزيرة موالي للاستعمار الفرنسي حتى اليوم، وأيضاً تساهم الغزوات من دول مدغشقر وموزمبيق بخلق أزمات خارجية لجزر القمر، ولم تتمكن جزر القمر من الحفاظ على ذاتها إنما تلملم جراحها بعد كل أزمة داخلية أو محاولة انفصالية. للجزر دور كبير على المستوى الاقليمي بسبب موقعها المهم جغرافياً واعتبارها بلد سياحي، وايضاً تعتبر عنصر فاعل في منظمة الوحدة الافريقية، أما عربياً فليس لجزر القمر أي حضور بل تعتبر كحمل زائد على العالم العربي، محلياً لم تتمكن الدولة من السيطرة على جميع حدود جزر القمر وتحقيق السيادة على أرضها.
منهجية الدراسة:
تقتضي إشكالية الدراسة استخدام المنهج التاريخي والمنهج الوصفي التحليلي، لتوضيح تاريخ تشكّل الدولة والصراعات التي مرت بها دولة جزر القمر لتشكيلها وتحليل النقلات والتغيرات النوعية التي مرت بها الدولة القمرية في عهود مختلفة وكذلك دراسات الاختلاف السيسولوجي وتأثيره على تشكل الدولة القطرية.
تستخدم هذه الدراسة المنهج التاريخي لما له من أهمية في الحديث عن مراحل تطور الأزمة القمرية وجذورها، فمن خلال المنهج التاريخي يمكن التعرف يمكن فهم أسباب الأزمة القمرية، ودور الاستعمار الفرنسي والخلافات الداخلية في الأزمة. وتستخدم أيضاً المنهج الوصفي التحليلي الذي يمكّن من دراسة واقع الأزمة في جزر القمر.
تنطلق الدراسة في تحليل وتفسير الإشكالية من نظرية أساسية، وهي نظرية التبعية، وتعرّف التبعية بأنها: العلاقة الناتجة عن هيمنة الدولة القوية على الضعيفة تجعل الضعيف يقلد القوي ويخدم مصالحه". والتبعية كما يفهم من التعريف هي علاقة بنيوية وظيفية بين بنية مسيطِرة وبنية تابعة (تؤدي وظيفتها)، وتكون التعبية اقتصادية وسياسية بشكل أساسي ولكنها تلقي بظلالها على الجوانب الأخرى (الثقافية والاجتماعية). وبعد استقلال جزر القمر إلا أنها ما زالت مرتبطة بسلوكها السياسي والاقتصادي والاجتماعي بالاستعمار الفرنسي، وخُلقت علاقة بنيوية بين الطرفين يؤدي النظام القمري فيها وظيفته تجاه تقليد وحماية مصالح الفرنسيين.
هيكلية البحث:
تعاني جزر القمر من تشرذمات سياسية، وتواجه سؤال أزمة الدولة بدون اجابات واضحة عليه، ولعل هذه الأزمات الموجودة اليوم مرتبطة بتاريخ الدولة في جزر القمر، حيث تتعدد القوميات وأصول سكان هذه الجزر والتي تعرضت لاستعمار فرنسي طويل وخاضت انقلابات سياسية وعسكرية كثير أرهقت النظام السياسي القمري، وبناءً على هذه الأزمات سيتم تقسيم البحث إلى ثلاثة فصول:
الفصل الأول: الإطار المنهجي والنظري.
الفصل الثاني: خلفية عامة حول أزمة الدولة في جزر القمر، وتقسم لمبحثين:
المبحث الأول: أزمة النشأة.
المبحث الثاني: النظام السياسي القمري.
الفصل الثالث: أسباب أزمة الدولة، وتقسم لمبحثين:
المبحث الأول: الأسباب الداخلية.
المبحث الثاني: الأسباب الخارجية.
الخاتمة.
الفصل الثاني: خلفية عامة حول أزمة الدولة في جزر القمر.
تتطلب دراسة أزمة الدولة في جزر القمر مناقشة قضايا تشكّل أساس عملية التحليل، لعل أهمها دراسة السياق التاريخي للدولة للتعرف على ظروف نشأتها. ويتوسع البحث في دراسة أزمة النشأة ودور الاستعمار الفرنسي في خلق هذه الأزمة، كما يتناول هذا الفصل دراسة النظام السياسي للدولة، باعتبار النظام السياسي هو المحدد الأساسي لتفاعلات المجتمع، ويوضّح مكونات الدولة الداخلية والخارجية والعلاقات بينها.
يتكون هذا الفصل من مبحثين، المبحث الأول: أزمة النشأة، بينما يتناول المبحث الثاني: النظام السياسي القمري.
المبحث الأول: أزمة النشأة.
بدأت جزر القمر في نشأتها الحقيقية في بداية القرن الماضي، وهي الفترة التي سيطرت فيها فرنسا على الجزر الأربعة ووضعتها تحت حمايتها، وكان لجزر القمر دوراً اقتصادياً في منطقة شرق أفريقيا وذلك بسبب موقعها الجغرافي الذي جعلها طريق أساسية للتجار المتجهين إلى شرق اسيا والهند قبل افتتاح قناة السويس، وكان للجزر مكانتها السياسية والديمغرافية في منطقة شرق أفريقيا، وهذا يعني أن فهم نشأة الدولة القمرية لا يمر إلا عبر فهم السياق التاريخي التي مرّت به الجزر.
وعليه، فسيتناول هذا المبحث فقرتين أساسيتين لفهم أزمة النشأة: الفقرة الأولى تتناول النشأة قبل الاستعمار، وتتناول الفقرة الثانية النشأة بعد الاستعمار.
الفقرة الأولى: النشأة قبل الاستعمار.
لم تنشأ الدولة القمرية نشأة طبيعية، بل كانت نشأتها نتيجة لتحولات وعوامل خارجية، واتسمت جزر القمر بالتنوع العرقي والديني. فقد كانت جزر القمر نتيجة للحضارات والأمم التي عاشت فيها، حيث تعاقب عليها الاندونيسيون، والعرب، ومجموعات مختلفة من مدغشقر والملايو، ورغم تعاقب جميع هذه الحضارات على جزر القمر إلا أن الحضارة العُمانية كانت صاحبة التأثير الأكبر عليها، فأصبحت الجزر من أهم المحطات في التجارة العربية الإسلامية، وأدخل العُمانيون أساليب جديدة على العمارة القمرية، كذلك تأثرت الثقافة القمرية بالثقافة العربية كثيراً، هذه العوامل غيّرت وجه المجتمع القمري الأفريقي وحوّلته لمجتمع عربي إسلامي.
تعرّضت جزر القمر لهجمات من جارتها مدغشقر بدأت في العام 1793، كان الهدف من هذه الغارات في البداية الحصول على الرقيق ولكنّ تطورت هذه الهجمات لتنتهي بالاستيلاء على مجموعة من الأراضي في الجزر والاستيطان فيها، حتى نقل مقر سلطان عُمان إلى زنجبار حيث رد الأراضي المسيطر عليها إلى الجزر.
كانت الجزر تُعامل كإمارات مدنية تابعة لسلطان عُمان، وبعد انتقال مقر السلطان من عُمان إلى زنجبار عام 1832 أصبحت الجزر سلطنات لكل جزيرة سلطانها، وأصبحت الجزر تُحكم بشكل منفصل ومستقل عن بعضها، وهذا ما خلق مشاكل بين سكان الجزر أنفسهم، خصوصاً في ظل الاهتمام والدعم المقدم للقمر الكبرى وأنجوان على حساب موهيلي ومايوت من الحكومة العُمانية، الأمر الذي ساهم في فرقة الجزر.
وتختلف الأصول العرقية للسكان القمريين، حيث تتنوع أصول سكان الجزر بين العرب (العُمانيين واليمنيين) والافريقيون (من زنجبار ومدغشقر وموزمبيق) والشيرازيون (الهاربين من ايران) ومهاجرون سواحليون ينتمون لجزر الملايو واندونيسيا، هذا التنوع الديمغرافي خلق أزمة بين السكان بسبب تفضيل العنصر العربي على غيره، وتقليد العرب أهم المناصب الحاكمة، والدعم الثقافي والاجتماعي الذي تلقاه السكان العرب من السلاطين القمريين بسبب ارتباطهم بالدعم العُماني.
عانت جزر القمر خلال هذه الفترة من الخلافات الداخلية بين سلاطين الجزر الأربعة، فقد كان يحكم كل جزيرة سلطان أو أكثر (أنجوان قسمت ل7 سلطنات) تدب بينهم الفرقة والحرب، حتى سميت "أرخبيل السلاطين المتنازعين" من شدة النزاع بين السلاطين، حيث شن سلاطين موهيلي وأنجوان غارات متتالية على بعضهم البعض واتحدت أنجوان ومايوت ضد سلطان موهيلي، ما أدى في نهاية الأمر إلى طلبهم للحماية الفرنسية بسبب الحرب.
في العام 1841 فرضت فرنسا سيطرتها على جزيرة مايوت ووضعتها تحت حمايتها، وسيطرت فرنسا في العام 1886 على باقي الجزر الثلاث ووضعتهم تحت حمايتها بعد اتفاق مع أمير كل جزيرة، واصبحت جزر القمر من الاراضي الفرنسية فيما وراء البحار.
الفقرة الثانية: النشأة بعد الاستعمار.
اشتد الصراع الاستعماري بين فرنسا وبريطانيا في القرن الثامن عشر، حيث تمكّنت بريطانيا من السيطرة على معظم أراضي العالم وهزمت فرنسا في سباق الاستعمار وسيطرت على مستعمراتها في أمريكا الشمالية والجنوبية والهند. في بداية القرن التاسع عشر توجهت أنظار فرنسا للمناطق الواقعة في افريقيا وجنوب شرق اسيا ومنها جزر القمر.
سيتم تناول هذه الفقرة في فترتين، الفترة الأولى وهي: فترة الحكم الذاتي القمري، والثانية: جزر القمر مستعمرة فرنسية.
أولاً: فترة الحكم الذاتي القمري.
لم يكن قيام الدولة القمرية طبيعياً، فبعد أن كانت كل جزيرة سلطنة منفصلة عن الأخرى، جاء الاستعمار الفرنسي وضم الجزر الأربعة تحت حكم المندوب السامي الفرنسي والذي أقام في جزيرة مايوت أولى المستعمرات الفرنسية في جزر القمر، وبدأ المستعمِر ببناء المصانع في مايوت ليشغل العمال القمريين حتى يصبح الشعب القمري معتمد على المصانع الفرنسية، بالتالي يضطر العامل للعمل تحت السيطرة الفرنسية للحصول على قوته اليومي في غياب أي مصانع قمرية، وهذا ما يدفع القمريين للتبعية للمستعمِر في المجالات المختلفة خوفاً على مصدر رزقهم.
قسمت فرنسا كل جزيرة لمجموعة من المديريات المحلية لتسهيل عملية ادارة الجزر في الفترة الواقعة بين 1886 – 1908، وأحكمت فرنسا سيطرتها على الجزر خلال هذه الفترة، وتمكّنت من حصر أي محاولات للثورة على الاستعمار. استخدمت فرنسا مصطلح الحماية كبديل "أرقى" عن الاستعمار، وهذه السياسة اتبعتها الدول الاستعمارية في تلك الفترة بتسمية الاستعمار بأسماء أخرى كالانتداب والحماية وغيرها.
منحت فرنسا الجزر الأربعة صفة الحكم الذاتي للإقليم منذ 1886 حتى 1908، قامت فرنسا بعزل ونفي السلاطين القمريين بدءاً من العام 1891 ومنهم السلطان سيد عثمان، واستبدلوا حاكمة موهيلي المسلمة بحاكمة أخرى تابعة للاستعمار، وفي العام 1914 أصبحت جزر القمر تابعة للحكم الفرنسي بدون صفة الحكم الذاتي وصنفت من مستعمرات فرنسا في بلاد ما وراء البحار.
ثانياً: جزر القمر مستعمرة فرنسية.
مع بداية الحرب العالمية الأولى كانت فرنسا قد بسطت سيطرتها على جزر القمر رسمياً وأضحت تابعة لمركز الحاكم الفرنسي في مدغشقر، ولم تخلق الجزر الأربعة أدوات اتصال وتواصل فيما بينها بل ظلت منقسمة على نفسها بلا سلاطين تحكمها وهذا ما أضعف الوجود الاستعماري فيها، وخلق أزمة الهوية عند المواطن القمري بسبب عدم وجود قيادة محلية قمرية تحكمه ولا قيادة استعمارية مباشرة ولا وجود للمستعمرين على الأرض القمرية فاتجه المواطن للقبيلة والعائلة ووجد هويته فيها.
عزلت فرنسا الجزر الأربعة عن بعضهم البعض، وفرضت الضرائب الباهظة على العمال في محاولة لربطهم بالعامل الاقتصادي وابعادهم عن التفكير التحرري، وحاولت فرنسا طمس الهوية القمرية المشكّلة من سنين عن طريق اعطاء فئة كبيرة من السكان الجنسية الفرنسية، وسرقة الاثار والمخطوطات التاريخية القمرية وعرضها في المتاحف الفرنسية.
قامت في العام 1914 و 1915 ثورة عارمة في جزر القمر ضد السياسات الاستعمارية الفرنسية في البلاد ولكنها لم تستمر كثيراً حتى تجددت في العام 1918 أي بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، قامت فرنسا على إثرها بإرسال بعثات لدراسة التوزيع الإداري في جزر القمر، وبالتالي أصدرت فرنسا قراراً بتعيين نائب للحاكم العام وإعطائه الصلاحية للتصرف في جزر القمر دون العودة للحاكم في مدغشقر ما أعطى استقلالية معنوية لسكان الجزر عن مدغشقر، وكذلك قامت بعمل مجموعة من التغييرات الإدارية في المناطق المختلفة لضمان استمرار سيطرتها على الجزر.
وفي العام 1947 أعلنت فرنسا جزر القمر كمستعمرة مستقلة بذاتها لها مرجعية خاصة تابعة للاستعمار ومنفصلة عن الحاكم العام في مدغشقر واصبحت مدينة زاوزي عاصمة للبلاد، ولم تشهد المرحلة منذ 1918 وحتى 1947 أي ثورات شعبية بل اتسمت بالركود والسيطرة المطلقة للإداريين والموظفين الفرنسيين على البلاد.
ومع انفصال جزر القمر عن مدغشقر بدأت بوادر لتشكل حركة وطنية قمرية، وسمح الفرنسيين لشريحة واسعة من القمريين في العمل الوظيفي والإداري داخل مؤسساتهم، وفي العام 1958 طرح ديغول استفتاء للشعب القمري لبحث مدى قبولهم للاستعمار وفعلاً نجح ديغول في الاستفتاء والذي صوت فيه القمريين لبقاء المستعمر الفرنسي، نتيجة لذلك أعطت فرنسا صلاحيات أوسع لأصحاب الوظائف الإدارية من القمريين، وبدأت ببناء المدارس والمراكز الصحية، وتم نقل العاصمة إلى موروني في القمر الكبرى عام 1962 كتتمة للتسهيلات.
قامت في العام 1968 مجموعة من الأحزاب الوطنية القمرية ويعتبر قيامها متأخراً عن نظيراتها في باقي دول افريقيا، سعت هذه الأحزاب لتحقيق الاستقلال لجزر القمر وبث الوعي التحرري في نفوس الشعب القمري، على إثر ذلك أعادت فرنسا في العام 1974 طرح الاستفتاء الشعبي لحق الشعوب في تقرير مصيرها ولكن هذه المرة كانت نسبة التصويت للاستقلال 95% من الشعب القمري، وأصبحت جزر القمر دولة مستقلة بذاتها عام 1975، إلا أن جزيرة مايوت رفضت الاستقلال ولا تزال مستعمرة فرنسية حتى اليوم.
ولم ينته التدخل الفرنسي في جزر القمر باستقلاله رسمياً عام 1975، بل استمر هذا التدخل والتحكم ولم يتوقف. استخدمت فرنسا بقاءها في جزيرة مايوت كشوكة في ظهر الدولة القمرية المستقلة، ورغم المحاولات المستمرة لاستعادتها إلا أن فرنسا أحكمت سيطرتها على الجزيرة، ومباشرة بعد إعلان الاستقلال قام المرتزق الفرنسي بوب رينارد بقيادة انقلاب على الرئيس القمري أحمد عبدالله وخلعه من السلطة، وجاء بديلاً له الرئيس عمر صالح، عاد رينارد مرة أخرى في العام 1978 ليقوم بانقلاب اخر يعزل فيه صالح ويعيد أحمد عبدالله رئيساً بموافقة فرنسية بسبب سياسات صالح الاشتراكية والتنموية في الدولة، واستمرت هذه الانقلابات لتصل إلى 18 انقلاباً على الحكم في جزر القمر معظمهم من تدبير فرنسا.
لقد انعكست أفعال المستعمِر الفرنسي التقسيمية والتمييزية على الدولة القمرية الحديثة والتي تعاملت مع مجتمعها بما يناسب هذه السياسات، لم تعطي فرنسا جزر القمر الفرصة لتقرير مصيرها بنفسها فاستمرت تدخلاتها في النظام السياسي ومن يحكمه، وتدبير الانقلابات العسكرية المتواصلة، كذلك عقدت الاتفاقات مع القيادات الكومبرادورية في جزر القمر لخصخصة قطاعات الصحة والتعليم، وكذلك سيطرتها قبل الاستقلال على التقسيمات الإدارية والجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المختلفة حيث علقت الدولة القمرية بهذه السياسات.
المبحث الثاني: تطور النظام السياسي القمري.
تطور مفهوم النظام السياسي وتعددت نظرياته ومدارسه، كان يقتصر مفهوم النظام السياسي على الدولة دون إجمال المفاعيل الأخرى المكونة للنظام السياسي، أما اليوم فيشمل النظام السياسي كافة الفواعل السياسية (القانون، والقضاء، والأحزاب، والمجموعات والمؤسسات، والجيش، وغيرها). ولا يمكن فهم أزمة الدولة وتحليلها دون التطرق لتطور النظام السياسي فيها.
يحكم جزر القمر نظام سياسي معقد ومشوه البنية لعل السبب في ذلك يرجع للاستعمار الفرنسي والأزمات الداخلية والانقلابات التي مرت فيها الدولة. تعتبر جزر القمر دولة ذات نظام فيدرالي بحيث تتكون من أربع جزر لكل جزيرة رئيس يرأسهم رئيس الاتحاد الفدرالي، وتطور النظام السياسي القمري حسب المراحل التي مرت بها الدولة فمن فترة الحكم الذاتي إلى فترة الاستعمار الفرنسي إلى تشكل الحركة الوطنية القمرية حتى استقلال الدولة وتشكيل الاتحاد الفيدرالي.
خضعت جزر القمر للحماية الفرنسية في العام 1886، وبعدها أعلنت فرنسا أن جزر القمر مستعمرة تابعة لها في العام 1908 وتتبع للحاكم الفرنسي في مدغشقر، وبعد انفصال الجزر عن مدغشقر في العام 1946 تشكل مجلس عام استشاري للجزر الأربعة يتكون من هيئتين إداريتين، حاول المجلس خلق سلطة تشريعية للجزر لكنه لم يمتلك سلطة حقيقية بفعل سيطرة المندوب السامي الفرنسي على الجزر، خضعت البلاد في العام 1956 للقانون الاساسي الذي شمل توسيع صلاحيات المجلس والذي أخذ مسمى الجمعية الإقليمية (شبيه بالسلطة التشريعية)، وأصبح يمتلك مجلس وزاري، في العام 1959 تحولت الجمعية لمجلس النواب القمري وأصبح المجلس الوزاري يشكل السلطة التنفيذية التابعة للجمعية. في العام 1961 تحصلت جزر القمر على سلطة حكم ذاتي وأصبح يديرها مجلس حكومي. وقع أحمد عبدالله رئيس المجلس الحكومي في العام 1973 على اتفاقية مع فرنسا تنص على استقلال جزر القمر حالة تصويت الشعب القمري للاستقلال الذي ستقيمه فرنسا في العام 1974.
بعد نجاح الاستفتاء العام الذي أجرته فرنسا وتصويت ثلاثة جزر قمرية للاستقلال أعلن الرئيس أحمد عبدالله الاستقلال عن فرنسا من جانب واحد، وعليه قامت مجموعة من الأحزاب القمرية بتشكيل جبهة موحدة لإسقاط عبدالله، وقامت بالتحالف مع المرتزق الفرنسي بوب دينار ونجحوا بإسقاط حكومة عبدالله وتنصيب محمد جعفر رئيساً للبلاد، والذي لم يستمر كثيراً حيث عاد دينار مرة أخرى وقاد انقلاب ضده ليصل علي صويلح في العام 1976 للحكم، وحاول صويلح اقامة دولة اشتراكية في جزر القمر متأثراً بالثقافة الصينية. كذلك قام بإرسال برقيات مختلفة لجامعة الدول العربية ومنظمة الوحدة الافريقية ومنظمة المؤتمر الاسلامي للانضمام للمنظمات الاقليمية ولم تنضم وقتها الجزر لجامعة الدول العربية في حين وافقت منظمة الوحدة الافريقية ومنظمة المؤتمر الاسلامي على انضمامها، وحصلت في نفس العام على عضوية الامم المتحدة. واجه صويلح هجوماً حاداً من الجماعات الدينية والقبلية في جزر القمر وكذلك سعت فرنسا لإسقاطه لتشكيله خطراً على مصالحها الاقتصادية في جزر القمر، وقاد دينار انقلاباً اخر في العام 1978 وأسقط على إثره صويلح من الحكم وأعاد أحمد عبدالله من جديد.
صدر في العام 1978 أول دستور لجزر القمر والذي أرسى ملامح النظام السياسي الجديد لجزر القمر والتي أصبحت بناءً عليه اتحاد فدرالي بين الجزر الثلاث (القمر الكبرى، موهيلي، أنجوان)، بحيث يكون لكل جزيرة حكومة مستقلة ذات سيادة يتم اختيارها بالاقتراع المباشر، وتحصل كل جزيرة على مخصصات مالية محددة من الحكومة الفدرالية.
قسم النظام الفدرالي مهام إدارة الحكومة الفدرالية بين الجزر الثلاث حيث تنتخب كل جزيرة ممثل أو أكثر لتشكيل الحكومة الاتحادية، ويتم توزيع الوظائف الكبرى (رئاسة الدولة، ورئاسة الجمعية الاتحادية، ورئاسة المحكمة العليا) بين الجزر الثلاث.
اتسمت الحكومة الفدرالية في عهد أحمد عبدالله بالمركزية المفرطة، حيث سيطرت الحكومة الاتحادية على السياسات المالية والسياسية للجزر في اعتداء على دستور 1978 الذي ينص على سيادة الجزر، وفي العام 1983 قام عبدالله بتعديل الدستور لجعل الدولة مركزية دستورياً ويتمكن من فرض سيطرته على البلاد، ووصف حكم عبد الله لجزر القمر بالسلطوي حتى أنه في العام 1985 ألغى منصب رئيس الوزراء لترجع الحكومة إليه في كل قراراتها، وقام بتعيين المرتزق دينار كرئيس للحرس الجمهوري، وقام بتعديل الدستور ليتيح له بالحكم لولاية ثالثة، وتم اغتياله في العام 1989 .
بعد اغتيال عبدالله تم اختيار سعيد جوهر رئيساً جديداً للجزر في العام 1990، ونجح جوهر في الحصول على عضوية جامعة الدول العربية في العام 1992، وبدأ جوهر بحملة اصلاح لما أفسده سلفه فأعاد منصب رئيس الوزراء وعدل الدستور ليسمح بالتعددية الحزبية وأعاد فترة الرئاسة لدورتين فقط، ورغم هذه الإصلاحات تعرضت حكومة جوهر لعدد من الانقلابات والحراكات التي لم يكتب لها النجاح، ولم تكن فرنسا راضية عن حكومة جوهر حيث قامت بدعم معارضيه ومنحت القمريين تأشيرات دخول لجزيرة مايوت التابعة لفرنسا، وقاد دينار انقلاباً جديداً ضد جوهر في العام 1995 والذي أسفر عن نفي جوهر خارج جزر القمر بأوامر من فرنسا. وفي العام 1996 نجح تقي عبدالكريم في الوصول للحكم بدعم من الرئيس الفرنسي جاك شيراك شخصياً.
في ظل الاضطرابات السياسية التي سادت جزر القمر فترة حكم جوهر أعلنت جزيرة موهيلي عام 1995 العصيان المدني وشكلت حكومة خاصة بها، وأعلنت الانفصال عن الاتحاد القمري، انتقلت حمى الانفصال لتصيب جزيرة أنجوان التي أعلنت في العام 1996 انفصالها عن الاتحاد، ورفضت الامم المتحدة ومنظمة الوحدة الافريقية الانفصالين الموهيلي والانجواني. في ظل هذه الأزمات قام عثمان الغزالي بانقلاب عسكري وسيطر على الدولة في العام 1999. وعقدت مجموعة من المؤتمرات لتفادي الأزمة القمرية منها مؤتمر أديس أبابا عام 1997 ومؤتمر انتاناناريفو في العام 1999 لتصليح الأمور بين الجزر الثلاث، وأسفر عن هذه المؤتمرات تغيير اسم الدولة ليصبح اتحاد الجزر القمرية، ونص الدستور القمري المعدل على تناوب الجزر الثلاث للرئاسة لإرضائها.
تجددت الأزمة مرة أخرى في العام 2002 ولكن هذه المرة كانت أزمة بين أنجوان التي عين محمد بكر نفسه رئيساً عليها بانقلاب عسكري والحكومة الفدرالية الجديدة، وبعد نجاح المؤتمرات السابقة بخلق نظام فدرالي معدل لمنع هذه الخلافات إلا أن بكر أعلن تمرده على الرئيس الاتحادي أحمد سامبي، استمرت هذه الأزمة للعام 2007 حيث أقام بكر انتخابات دون موافقة من الحكومة الاتحادية ونصب نفسه رئيساً لأنجوان.
عقدت جزر القمر انتخابات في العام 2006 لتشهد لأول مرة في تاريخها انتقال سلمي وديمقراطي للسلطة وفاز فيها أحمد سامبي، وبدأت جزر القمر رحلة ترسخ قواعد الديمقراطية حتى العام 2016 حيث تم انتخاب عثمان الغزالي رئيساً لجزر القمر، وبدأ الغزالي بتعديل الدستور لمنح نفسه الحق في ولاية ثانية، وهذا ما أشعل الثورة الشعبية في الشارع القمري.
يتضح مما سبق وجود أزمة تاريخية في النظام السياسي القمري، حيث تغير النظام السياسي عدة مرات حتى وصل للشكل الذي عليه وهو ما يعتبر نطام "مشوه" للاتحاد الفدرالي، كذلك غاب العقد الاجتماعي بين الحكومة والشعب تاريخياً، وشهدت جزر القمر أكثر من عشرين انقلاب عسكري مزقوا أواصر الدولة، وفشلت الدولة "السلطوية" بإرساء أي قواعد ديمقراطية، كما لم تترك فرنسا جزر القمر أبداً واستمرت بتدخلها في شؤون الاتحاد، ويحكم الفرنسيون النظام السياسي ويتحكمون بكل ما به من رئيس وسياسات وأحزاب وجيش وجميع مكونات النظام السياسي القمري.
الفصل الثالث: أسباب أزمة الدولة.
يدرس هذا الفصل أسباب أزمة الدولة في جزر القمر، حيث يدرس مختلف الأسباب والمفاعيل المسببة في الأزمة القمرية. حيث يقسم هذا الفصل لمبحثين: الأول الأسباب الداخلية، أما المبحث الثاني: الأسباب الخارجية.
المبحث الأول: الأسباب الداخلية.
يناقش هذا المبحث مجموعة من الأسباب الداخلية لأزمة الدولة في جزر القمر، ويدرس بشكل أساسي الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية لأزمة الدولة القمرية، باعتبارها تشمل في داخلها مجموعة من الأسباب الداخلية الفرعية للأزمة وتوضح بنيتها، ورغم التداخل بين كل سبب والاخر إلا أنه سيتم التعامل مع كل موضوع بشكل منفرد.
وعليه يقسم هذا مبحث لثلاث فقرات: الفقرة الأولى: الأسباب السياسية، أما الثانية: الأسباب الاقتصادية، بينما الفقرة الثالثة: الأسباب الاجتماعية.
أولاً: الأسباب السياسية.
تتعدد الأسباب السياسية الداخلية لأزمة الدولة القمرية، وتشمل الانقسام السياسي وتعاقب الأنظمة السلطوية وعدم استقرار النظام السياسي، فالانقسام السياسي بين الجزر الثلاث وصراعهم على السلطة وكذلك الانقسام بين الأحزاب السياسية، إلى جانب تعاقب الأنظمة القمعية السلطوية على الحكم واستغلالها لنفوذها، والتغيرات المستمرة وغير الممنهجة التي طرأت على النظام السياسي، كل هذه العوامل ساهمت في أزمة الدولة.
الانقسام السياسي.
مرّت جزر القمر بمراحل من الانقسام السياسي بين الجزر الثلاث بعد استقلالها وتشكيلها اتحاد فدرالي، فشهد الاتحاد سيطرة قبلية وتعصب اقليمي بعد ارساء الدستور الأول عام1978، فالرئيس أحمد عبدالله والذي يعتبر من سكان القمر الكبرى احتكر للقمر الكبرى موارد الدولة المختلفة وسيطر عليها، وحرم أنجوان وموهيلي منها بسبب تعصبه لموروني العاصمة، لذلك فقد أصبح حكام الجزيرتين بلا حكم ولا سيادة بسبب سيطرة رئيس الاتحاد وحكومته على الجزر الثلاث بشكل كامل، راكمت هذه العنصرية بشكل كبير حتى وصلت لانفصال موهيلي في العام 1995 تبعه انفصال انجوان عام 1996، وهذا ما أدخل جزر القمر بأزمة سياسية داخلية أرهقت نسيجها السياسي الوطني.
تعاقب الأنظمة السلطوية.
تعاقبت على جزر القمر مجموعة من الأنظمة السلطوية القمعية، حيث لم تشهد الدولة منذ حصولها على الاستقلال الفرصة لبناء دولة ديمقراطية تقدمية، فتفاعل الأزمات المختلفة معاً خلق دولة "مشوهة" ونظام فدرالي "مشوه"، وغاب العقد الاجتماعي عن العلاقة بين المواطن والاتحاد الفدرالي، ولم تشهد جزر القمر انتخابات ديمقراطية حتى العام 2006 أي بعد 30 عام من استقلالها.
شهدت جزر القمر ما يزيد على عشرين انقلاب عسكري منذ استقلالها حتى اليوم، حيث أن الأحزاب المختلفة وقادتها رغبت دوماً في السيطرة على أجهزة الدولة لتحقيق مصالحها الضيقة، فلم يسبق قبل العام 2006 حصول أي انتقال سلمي للسلطة إنما كانت جميعها عبر الطريق الانقلابي العسكري. وفيما يلي الحكومات السلطوية التي مرت على الجزر:
حكومة أحمد عبدالله:
أعلن عبدالله نيته ارجاع العلاقة مع المستعمر الفرنسي، وارتبط به ارتباطاً وظيفياً، وكان عبدالله يحكم الجزر الثلاث فيما عدا مايوت التي ظلت مستعمرة فرنسية، وسيطر عبدالله على الحكم وقمع كل من كان ينافسه على السلطة، كذلك تركزت الموارد على جزيرته "القمر الكبرى" على حساب الجزر الأخرى ما أدى للانقلاب عليها، أما في دورته الثانية فقد قام بتعديل الدستور بما يتناسب مع مصالحه الشخصية ويسمح ببقاءه لمدة أطول في الحكم، كذلك قتل الحياة الحزبية والتعددية في جزر القمر، والغاء منصب رئيس الوزراء ليستفرد هو بالحكم.
حكومة سيد محمد جوهر:
في نهاية الثمانينات وصل جوهر إلى سدة الحكم في جزر القمر عقب اغتيال سلفه أحمد عبدالله، سيطر جوهر على أجهزة الدولة بشكل كامل، مع اعطاءه هامش حرية للمعارضة وتعيين اثنين من الوزراء في حكومته من أحزاب المعارضة، ولك يكن يلقي بالاً لأحكام المحكمة العليا حتى أصدرت قرار بإبعاده عن الحكم بس عدم اهتمامه بشؤون البلاد وتمرير مصالحه.
حكومة تقي عبدالكريم:
ولدت في فترة حكمه أزمة في الاتحاد الفدرالي، حيث طالبت كل من موهيلي وأنجوان الاستقلال والخروج من الاتحاد القمري بسبب سياسات حكومة تقي العنصرية تجاههم، وظلت هذه الأزمة قائمة لمدة طويلة مع تدخل العديد من الأطراف الداخلية والخارجية لحل الأزمة، إلا أن سياسة تقي تجاه مختلف الحكومات للجزر الأخرى كانت سياسية اقصائية قمعية عنصرية.
حكومة عثمان الغزالي:
نجح عثمان في تسوية المشاكل والخلافات بين جزر الاتحاد بشكل سلمي، وتمكن من استعادة الاتحاد الفدرالي مع تصليحات نوعية في الدستور القمري ليوافق الجزر الثلاث عليها، وحكومة غزالي كانت كسابقيه مسيطرة على أجهزة الدولة ولها سقف محدد للديمقراطية، تبعه أحمد سامبي في الحكم والذي يعتبر أول رئيس ديمقراطي، عاد الغزالي مرة أخرى إلى الحكم واشتعلت على اقر عودته المظاهرات الشعبية في جزر القمر بسبب أهدافه المصلحية والشخصية.
عدم استقرار النظام السياسي.
طرأت عدة تغيرات على النظام السياسي القمري في مراحله المختلفة، كذلك شهد الدستور القمري تغييرات عديدة تتناسب في كل مرة مع مصالح من يعدل الدستور، ويعتبر النظام الفدرالي في جزر القمر "نظام مشوه" تسيطر عليه السلطوية والمركزية السياسية، على حساب التعددية الاقليمية والحزبية، فالنظام السياسي هو وليد تجارب ومراحل تاريخية مرت بها الجزر.
صدر في العام 1978 أول دستور لجزر القمر والذي أرسى ملامح النظام السياسي الجديد لجزر القمر والتي أصبحت بناءً عليه اتحاد فدرالي بين الجزر الثلاث (القمر الكبرى، موهيلي، أنجوان). وفي عام 1992 عقد استفتاء شعبي لتعديل الدستور، شمل هذا الاستفتاء قرارات جديدة منها أن الرئيس هو عماد الدولة ويتم انتخابه لولايتين مدة الواحدة منهما خمس سنين، كذلك يتناوب الجزر الثلاث على الحكم.
ويتكون النظام السياسي القمري من سلطة تشريعية وهي الجمعية الوطنية ويتم اختيار أعضائها بالانتخاب، وسلطة تنفيذية وتتمثل في رئيس الدولة وحكومته، وسلطة قضائية تتمثل في المحكمة العليا والهيئات التابعة لها. أما السلطة التشريعية فقد مر الدستور بعدة تغييرات مصلحية أفقدته اتزانه، وخاضت السلطة التنفيذية انقلابات متعددة سواء من الفرنسيين أو المعارضة أو الجماهير الشعبية الرافضة للنظام السلطوي، والسلطة القضائية كانت مهمشة دائماً في جزر القمر وليس لها دور ووزن حقيقي.
ثانياً: الأسباب الاقتصادية.
لا يمكن عزل الجانب الاقتصادي عن كونه من أهم أسباب أزمة الدولة في جزر القمر، منذ استقلالها تواجه جزر القمر أزمة اقتصادية خانقة اتجهت بموجبها للحصول على الديون من الخارج، هذه الديون أغرقت جزر القمر بشكل كبير وأصبح الاقتصاد القمري تابع للدول والمنظمات الدائنة.
تعتبر الزراعة المورد الاقتصادي الأساسي لجزر القمر حيث تشكل 80% من الناتج المحلي الاجمالي القمري، كذلك تتميز بتنوع الثروة الحيوانية وموقعها السياحي، هذه العوامل المختلفة تم السيطرة عليها وخصخصتها من قبل الدولة بسبب الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد، حيث تستغل دولة كالإمارات حاجة جزر القمر للمشاريع التنموية وتسيطر على أراضيها وتنشأ فيها مشاريع "تنموية" و "انسانية" حسب تسميتها.
بلغت نسبة الفقر في جزر القمر 66% من السكان تحت خطي الفقر الوطني والمدقع، وهذا ما يوضح مدى الأزمة الاقتصادية في الجزر، كذلك بلغ الناتج المحلي الاجمالي في جزر القمر 1.5 مليار في العام 2011 لتصبح الأقل قيمة بين الدول العربية.
ثالثاً: الأسباب الاجتماعية.
تعتبر جزر القمر من الدول ذات الشعب المسالم، فرغم الطوائف والأديان والأصول واللغات المختلفة للقمريين إلا أنهم من الشعوب المستقرة اجتماعياً، إلا أن القبلية كان لها دور كبير في أزمة الدولة حيث يتعنصر أبناء كل جزيرة ضد الأخرى، ولهذا نرى تدخل هذه القبلية في الحكم في عهد أحمد عبدالله مثلاً الذي احتكر أدوات التنمية في القمر الكبرى (جزيرته) وحرم أنجوان وموهيلي منها ما خلق أزمة في الجزر، وهناك حرية نسبية في التعبير عن الرأي ومواضيع حقوق المرأة وغيرها من المتطلبات الاجتماعية، إلا أن القبلية تظل هي المشكلة الاجتماعية الأساسية في الجزر.
المبحث الثاني: الأسباب الخارجية.
بعد تناول الأسباب الداخلية لأزمة الدولة في جزر القمر لابد من تناول الأسباب الخارجية للأزمة، خصوصاً دور المستعمر الفرنسي في أزمة الدولة، وكذلك دور الدول الأخرى كجنوب أفريقيا التي أثرت في تعاظم الأزمة القمرية، وعليه يقسم هذا المبحث لقسمين: الأول: تدخلات الاستعمار الفرنسي، والثاني: التدخلات الاقليمية.
تدخلات الاستعمار الفرنسي.
حاولت فرنسا طمس الهوية القمرية عن طريق اعطاء مجموعة من السكان الجنسية الفرنسية لعزلهم عن تاريخهم وربطهم بفرنسا القوية الحداثية على حساب جزر القمر "المتخلفة"، كذلك قامت فرنسا بربط المؤسسات المحلية في جزر القمر بوجودها الاستعماري أثناء فترة استعمارها للجزر، وهذا ما جعل جزر القمر تتأخر في بلورة مشروع وطني وحركة وطنية كما حصل في المناطق المختلفة من أفريقيا.
بعد استقلال جزر القمر في العام 1975 لم يكتفِ الاستعمار الفرنسي بسنين الاستعمار، بل أحكم قبضته السياسية والاقتصادية والاجتماعية على الدولة، حيث تدخلت فرنسا في معظم الانقلابات السياسية التي حصلت في جزر القمر عن طريق المرتزق الفرنسي بوب دينار، واستمرت على مدار 30 عاماً ما بعد الاستقلال بالتدخل في القضايا السياسية القمرية والتحكم في من يحكم وكيف.
كذلك تدخل الاستعمار في البنية التعليمية للشعب القمري، فالنظام التعليمي الفرنسي كان دخيلاً على الثقافة القمرية ولم يخرج من رحم تجربتها الذاتية، كذلك لم يراعي تاريخ بناء الدولة وتنوع ثقافاتها ولغاتها بل فرض نظام تعليمي لما يرغب الاستعمار في تعليمه وليس ما يناسب الشعب القمري.
وفرض الاستعمار علاقات عدائية بين الجزر الثلاث بين بعضهم، وكذلك بين الأحزاب السياسية المختلفة، وهذا ما فرض حالة عدم استقرار سياسي في الدولة، وأرهق النظام السياسي القمري والذي خُلق أساساً بشكل مشوه تابع للاستعمار، وتبنّى الفرنسيون نظرية "فرق تسد" بين الجزر القمرية حتى تمكّن من التحكم بالجزر الثلاث سواء سياسياً أو اقتصادياً، حتى طالبت جزيرة أنجوان في العام 1996 بالعودة للحكم الفرنسي.
في الفترة الأخيرة شهدت جزر القمر تدخلاً أميركياً في سياسية الدولة إلى جانب التدخلات الفرنسية، خصوصاً ما بعد أحداث 11 سبتمبر وانتشار ظاهرة الإسلاموفوبيا التي أوصلت الولايات المتحدة لقناعة بوجوب السيطرة على مختلف المناطق التي من الممكن أن تقع تحت سلطة الإسلاميين الراديكاليين.
التدخلات الاقليمية.
تحتل جزر القمر مكانة جيوستراتيجية مهمة على طريق التجارة الدولية، وهذا ما جعلها محط أنظار الدول المحيطة كتنزانيا وجنوب أفريقيا واللتين لهما دور مهم في الأزمة القمرية، وللمنظمات الاقليمية (كالجامعة العربية) دور بارز في الأزمة. ساهمت تنزانيا في تشكيل الحركة الوطنية القمرية قبل الاستقلال وبنت علاقات مع مختلف القوى القمرية بعد الاستقلال، وساهمت في اتخاذ بعض القرارات السياسية المتعلقة في مصير جزر القمر، بالتالي كان لها دور سياسي في الأزمة.
وتعد حكومة جنوب أفريقيا فاعلاً أساسياً في الأزمة القمرية، حيث كان للمرتزق الفرنسي دينار ومجموعة من القمريين دور في دعم حركة مناهضة الأبارتهايد في جنوب أفريقيا، وبعد ذلك حاولت جنوب أفريقيا السيطرة على طريق التجارة القمري (طريق رأس الرجاء الصالح) باعتباره من أهم طرق التجارة الدولية، وتشكل جزر القمر بنية خصبة لسوق الاستثمارات الجنوب أفريقي.
أما جامعة الدول العربية فلم يكن لها دور مركزي في الأزمة القمرية، وذلك لاهتمامها بقضايا أكثر أهمية بالنسبة لها من الأزمة القمرية (القضية الفلسطينية مثلاً)، وهذا ما ترك فراغاً في التعامل مع أزمة الدولة وعمّقها وترك حلها على عاتق الاتحاد الأفريقي.
الخاتمة:
يتضح من خلال النقاش والتحليل الذي أجراه البحث حول أسباب أزمة الدولة في جزر القمر، أن الأسباب الداخلية والخارجية تتقاطع معاً في مراحل معينة خصوصاً بسبب تبعيات ما بعد الاستعمار على الدولة، كذلك اتضحت أسباب الأزمة الداخلية والخارجية، ودور الاستعمار الفرنسي تأجيج الأزمة، كذلك توضح دور الأزمات الداخلية والانقسام السياسي في زعزعة استقرار الدولة واليات تعامل القمريين معه، وتوضح أيضاً دور جزر القمر على الأصعدة المختلفة المحلية والاقليمية والعالمية ومدى التأثير المتبادل لها على بعضها البعض. وقد كانت أبرز النتائج التي توصلت إليها الدراسة:
توضيح الأسباب الداخلية لأزمة الدولة القمرية.
أدت الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية للأزمة في جزر القمر، على الجانب السياسي ساهم تغييب النظام السياسي وتعاقب الحكومات السلطوية على الحكم وكذلك الانقسام السياسي بين الجزر القمرية والأحزاب على حد سواء في التسبب في أزمة الدولة القمرية، أما الجانب الاقتصادي فقد كانت السياسات الاقتصادية للحكومة الاتحادية متحيزة لجزيرة على حساب الأخريات وهذا ما أجج أزمة بين الجزر الثلاث وأضعفها، وكذلك خصخصة المرافق العامة في الدولة وبيعها للأراضي للدول المجاورة ساهم في هبوط الناتج المحلي الاجمالي وانتشار الفقر حتى وصل لأعلى أرقامه، أما اجتماعياً فقد أرهقت السياسيات التعليمية في جزر الشعب القمري وذلك لأنها لم تتسق مع الثقافة القمرية كما يجب بل جاءت دخيلة عليها، كذلك شكل الأزمة السياسية بين الجزر الثلاث أزمة اجتماعية وفككت المجتمع القمري.
توضيح الأسباب الخارجية للأزمة.
كان للاستعمار الفرنسي دور مهم ومحوري في أزمة الدولة القمرية، فالنظام في جزر القمر ظل محكوماً بفعل السلطة الفرنسية في مراحل متعددة حتى الاستقلال، وهذا ما جعل التأثير الفرنسي على بنية الدولة كبير وأرهق النظم السياسية القمرية، وكذلك فإن التدخلات السياسية الفرنسية والتسبب في الانقلابات العسكرية عن طريق مرتزقة، ودعم الانقسامات الداخلية لجزر القمر، وفرض سياسات تعلمية مختلفة عن التي وُجدت في جزر القمر ما قبل الاستعمار.
كذلك كان للمنظمات الاقليمية والدول المحيطة بجزر القمر دور مهم في الأزمة، فتخاذل الجامعة العربية عن أزمة جزر القمر ساهم بتأجيجها، كذلك كان لجنوب أفريقيا وتنزانيا وإيران دور مهم في تنامي الأزمة القمرية، بل والاستفادة من هذه الأزمة لمصالحهم الخاصة.
فشل الحفاظ على الدولة القمرية.
رغم كل السنين التي شهدتها الدولة القمرية من فساد وحكومات سلطوية قمعية واستعمار إلا أنها لا تزال إلى اليوم تبني ذاتها، بمحاولتها للحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه، فتمكن القمريين من خوض أول انتخابات نزيهة عام 2006، وكذلك تم "ترقيع" النظام السياسي القمري ليرضي الجزر الثلاث، ويحافظ على الهيكلية الاتحادية للجزر، لذلك تعتبر جزر القمر دولة فاشلة.
ضعف الدور الاقليمي والعالمي لجزر القمر.
يتضح من الدراسة مدى ضعف جزر القمر وضعف تأثيرها على المستويين الاقليمي والعالمي. على المستوى الاقليمي تدخلت مدغشقر وموزمبيق تاريخياً بشؤون جزر القمر وببعض القضايا السياسية والاقتصادية فيها، كذلك كان لتنزانيا وجنوب أفريقيا تأثير كبير على الجزر، بينما لم يكن هذا التأثير متبادل فكانت جزر القمر عامل متأثر غير مؤثر. أما عالمياً فبعد حصول جزر القمر على الاعتراف الدولي وانضمامها للأمم المتحدة فهي لم تكن صاحبة أي تأثير على هذا الصعيد.
قائمة المراجع:
الكتب العربية:
عامل، مهدي. أزمة الحضارة العربية أم أزمة البرجوازيات العربية. بيروت: دار الفارابي، .1974
الأنصاري، محمد جابر. تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، .2000
أمين، سمير. أزمة المجتمع العربي. القاهرة: دار المستقبل العربي، .1985
سمارة، عادل. دفاعاً عن دولة الوحدة: إفلاس الدولة القطرية (رداً على الأنصاري). رام الله: مركز المشرق، .2004
راوتر، جرنوت. جزر اسلامية على شاطئ افريقيا الشرقية. بيروت 1976.
حسن نافعة، مبادئ العلوم السياسية، (القاهرة: مكتبة الشروق الدولية،2002)
كمال عبداللطيف، العرب والحداثة السياسية، (بيروت: دار الطميعة، 1997)
اوتنهاور، مارتن، " القاموس التاريخي لجزر القمر"، قواميس أفريقيا التاريخية، (1994)
رمزي، أحمد، "الاستعمار الفرنسي في شمال أفريقيا"، المطبعة الملكية، الرباط، المغرب.
الخزرجي، تامر. "النظم السياسية الحديثة والسياسات العامة"، دار المجدلاوي، عمان، الأردن، الطبعة الاولى، (2004).
الأطروحات العلمية:
موسى، هاني. "أزمة الدولة في العالم العربي: دراسة مقارنة لحالتي العراق والسودان". أطروحة دكتوراة. تونس: جامعة تونس المنار، 2017-2018.
سقاف، محمد ماهر حسن، "الحركة الوطنية القمرية 1918 - 1975م"، أطروحة دكتوراة. السودان: جامعة أم درمان الإسلامية، 1999.
سقاف، محمد ماهر حسن، "استعمار جزر القمر 1843 - 1915م"، أطروحة ماجستير. السودان: جامعة أم درمان الإسلامية، 1994.
المقالات:
حسني، سمير، "جزر القمر، وبناء الدولة الاتحادية"، جامعة الدول العربية-الأمانة العامة. العدد100، 1999
حسن، حمدي عبدالرحمن، "جزر القمر وأزمة بناء الدولة القمرية"، مركز دراسات الوحدة العربية. المجلة31، العدد355.
مباي، يوسف علي، " التدخلات السياسية وأثرها على الاستقرار السياسي في جزر القمر (1975-2000)"، رسالة ماجستير، جامعة النيلين، الخرطوم، السودان، (2003).
عبد العزيز، حسين. "أزمة الدولة في الوطن العربي". موقع الجزيرة. https://www.aljazeera.net/knowledgegate/books/2011/9/22/%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A
منى، زياد. "جزر القمر المنسية في الذاكرة العربية". موقع جريدة الأخبار. السبت 9تشرين الثاني 2019 https://www.al-akhbar.com/Search?q=%D8%AC%D8%B2%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%85%D8%B1&type=undefined
ابراهيم، مكارم. "تخلفنا من منظور مهدي عامل". موقع الحوار المتمدن. العدد3431. 19/7/2011. https://mehdiamel.wordpress.com/2011/08/03/%D8%AA%D8%AE%D9%84%D9%81%D9%86%D8%A7-%D9%85%D9%86-%D9%85%D9%86%D8%B8%D9%88%D8%B1-%D9%85%D9%87%D8%AF%D9%8A-%D8%B9%D8%A7%D9%85%D9%84/
البوابة العربية للتنمية، "لمحة احصائية"، حالة جزر القمر، تاريخ الدخول: (1/5/2020). https://www.arabdevelopmentportal.com/ar/country/%D8%AC%D8%B2%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%8F%D9%85%D8%B
محمد، صالح محروس، "المصالح الفرنسية في جزر القمر بوابة رئاستها". موقع الميادين، 7نيسان 2019. http://www.almayadeen.net/articles/opinion/944422/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%A7%D9%84%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%AC%D8%B2%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%85%D8%B1-%D8%A8%D9%88%D8%A7%D8%A8%D8%A9-%D8%B1%D8%A6%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%87%D8%A7
مريم مخلوف، "مفهوم الأزمة الدولية"، الموسوعة السياسية، (2017)، بتاريخ:(2/4/2020)
فيصل المرعشي، "مفهوم الدولة"، الموسوعة السياسية، بتاريخ: (2/4/2020).
موقع الجزيرة، " نظام سياسي معقد يحكم جزر القمر الفقيرة"، (2008). https://www.aljazeera.net/news/arabic/2008/3/20/%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85-%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A-%D9%85%D8%B9%D9%82%D8%AF-%D9%8A%D8%AD%D9%83%D9%85-%D8%AC%D8%B2%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%85%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%82%D9%8A%D8%B1%D8%A9
محمد، حسن، "انتفاضة شعبية في جزر القمر... هل وصل الربيع العربي متأخراً إلى جنة الله المنسية في إفريقيا"، موقع رصيف22، (2018). https://raseef22.com/article/151420-%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%B6%D8%A9-%D8%B4%D8%B9%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%AC%D8%B2%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%85%D8%B1-%D9%87%D9%84-%D9%88%D8%B5%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A8
مواقع التواصل الاجتماعي:
الموقع الرسمي لجامعة الدول العربية. http://www.lasportal.org/ar/Pages/default.aspx
الموقع الرسمي لدولة جزر القمر. https://beit-salam.km/arabic
البيان، " محمد بن زايد يأمر بتنفيذ عدد من المشاريع التنموية في جزر القمر بقيمة 10 ملايين دولار"، (12يوليو 2019)، تاريخ الدخول:(1/5/2020). https://www.albayan.ae/across-the-uae/news-and-reports/2019-07-12-1.3603878
الندوات:
"ندوة الدولة العربية: سياقات النشأة ومظاهر الأزمة الراهنة". منتدى الجزيرة الحادي عشر. قطر، 2017.
أفلام وثائقية:
الجزيرة الوثائقية. جزر القمر- بين المد والجزر. الجزيرة الوثائقية. 2019. 12مارس 2020. https://www.youtube.com/watch?v=Xznwj9uRJLA
اترك تعليقا 💬
كل التعليقات
لا تعليقات حتى الآن.