تأثير الاستشراق على القرار السياسي الغربي

تأثير الاستشراق على القرار السياسي الغربي

Thu Aug 01 2024
مقدمة:


يشير الاستشراق كمفهوم إلى الشرق، الذي يصف المنطقة الشرقية من العالم من حيث تشرق الشمس وحيث نشأت أقدم الحضارات العالم. ويرتبط "الاستشراق" من الناحية الاصطلاحية بالدراسات الاستشراقية التي تهتم بالشرق على الصعيد الثقافي فقد عرف الفرنسي جيربرت أوريلاك الملقب بالبابا سيلفستر الثاني بأنه البابا الوحيد الذي يتقن اللغة العربية، ويعود ذلك لدرسته بالأندلس في نهاية القرن العاشر الميلادي حيث تمكن من الاطلاع على جميع أنواع المعارف التي كانت بها كالفقه والعلوم من علم الفلك، الرياضيات ونقلها إلى أوروبا (). ومنذ تلك اللحظة أخذ مصطلح الاستشراق بعده التبشيري وكان رواده رجال الدين الذين ساهموا في قيام الحمالات الصلبية خلال القرن الحادي عشر. ومع نهاية الحرب العالمية الثانية تمت ولادة الجيل الثاني من المستشرقين، تحديدا بعد مؤتمر الأخير للاستشراق الذي حول الاستشراق من الحقل الديني إلى الحقل الأبستمولوجي ليتم مواصلة توظيفه سياسيا في سنة 1973. ليصبح الخطاب الاستشراقي المحرك الرئيسي لسياسات الغربية.

فكيف ساهم الاستشراق في صناعة القرار السياسي الغربي عبر التاريخ؟
الاستشراق الكلاسيكي:


تعتبر المدرسة الفرنسية من بين أكثر أقدم المدارس التي اهتمت بدراسة الشرق ومن اكثرها اندفاعية، فكما ذكرنا أن اول المستشرقين الذين سجلهم التاريخ الفرنسي البابا سيلفستر الثاني وكانت من فرنسا من بين أهم المشاركين في الحروب الصلبية، وصولا إلى حملة نابليون بونبارت على مصر التي كان على رأسها مجموعة كبيرة من كبار المستشرقين الفرنسين. ()
أما بالنسبة للمدرسة الألمانية كانت دراستها الاستشراقية ضمن الحقل المعرفي، حيث يعد المستشرقون الألمان من بين أكبر الدارسين للشرق والمنصفين له، لأن ألمانيا لم تكن ذات توجهات امبريالية في المنطقة، والمستشرقون الألمان درسوا الشرق بشغف الباحث عن المعرفة لأن دراستهم لم يتم تمويلها أو توجيهها من قبل السلطات آن ذاك.
بالنسبة للمدرسة الإنجليزية ذهبت أبعد من ذلك كله ومن بين أشهر مستشرقيها توماس إدوارد الملقب بلورنس العرب، الذي كان جاسوسا لدى المخابرات الملكية البريطانية وتم إرساله للجزيرة العربية بهدف إشعال القبائل العربية ضد الدولة العثمانية التي كانت تعيش آنذاك في أخر أيامها وصارت ما يطلق عليه الرجل المريض. وعمل كمستشار للشريف حسين وجمعته علاقات كبيرة مع شيوخ القبائل العربية وادعى الإسلام ليتقرب من كل هؤلاء ونجح في مهمته نجاحا باهرا حتى أن ونستون تشرتشل قال عنه: " لن يظهر له مثيل مهما كانت الحاجة ماسّه له" ().








الجيل الثاني من المستشرقين:


أما بالنسبة للجيل الثاني فيعتبر برنارد لويس أهمهم فهو كما تصفه موسوعة المؤرخين والكتابة التاريخية بأنه "أكثر مؤرخي الإسلام والشرق الأوسط تأثيرا بعد الحرب العالمية الثانية"، وكانت آراؤه أثيرة لدى السياسيين الأمريكيين وتحديدا "المحافظين الجدد. ()
وتقول صحيفة واشنطن بوست إن صداقة لويس وقربه أيديولوجيا من السياسي الأمريكي وعضو مجلس الشيوخ هنري جاكسون، أحد صقور الحرب الباردة، فتحت أمامه أبواب صناع القرار في البيت الأبيض والبنتاغون () وأعطته لاحقا مكانة هامة لديهم لا سيما في المرحلة التي سبقت غزو العراق في عام 2003، ففي سنة 2001 عند أحداث 11/9 وفي لقاء صحفي قال لويس :" بن لادن جعلني مشهور" () ، في إشارة منه إلى أن كلامه منذ سنوات عديدة ضد العرب والمسلمين قد تحقق وهذا هو الخطر القادم الذي يهدد الغرب وفي سنة 2003 كان لويس مهندس الحرب على العراق ومستشارا لجورج بوش الابن.
أما الاسم الثاني والذي لا يزال كتابه يشغل عديد الباحثين والأكاديميين فهو هنتنغتون الذي لا يقل أهمية عن برنارد لويس ففي كتابه الذي سماه صدام الحضارات اعتبر أن الحرب القادمة ستكون مع الشرق وتحديدا مع الإسلام والصين وحذر الساسة الغربين من قيام تحالف شرقي كبير ضد الغرب بقيادة العالم الإسلامي والصين، أو عن إمكانية بروز دولة إسلامية كبيرة يتجمع حولها العالم الإسلامي تقوم بتهديد النفوذ الغربي وهيمنته ()، وأصبحت أفكار هنتنغتون بمثابة دستور محافظين الجدد واليمن المتطرف الأمريكي وتبلورت هذه الممارسات مع سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي اتسمت سياسته الخارجية بمعادة الشرق بصفة عامة وتحديدا العالم الإسلامي والصين.

الاستشراق والربيع العربي:


أبرز المستشرقين الذين لعبوا دور هاما في توجيه السياسات الغربية تجاه الربيع العربي الفرنسي "برنارد هنري ليفي". اشتهر ليفي بكتابه الأيدولوجيا الفرنسية الذي أصدره سنة 1981 والذي لقي هجوما كبيرا من قبل نخب الفرنسية. فقد وصف فيه هنري احتلال الدول الكبرى للعالم الثالث أمرا إنسانيا، أما كتابه الثاني الذي نشر سنة 2008 تحت عنوان " يسار في أزمنة مظلمة: موقف ضد البربرية الجديدة" حيث قام فيه بمهاجمة الإسلام واعتبره العدو الجديد للغرب الذي أخذ مكان الشيوعية.
يعتبر برنار هنري ليفي من أبرز المؤثرين على صناع القرار في قصر الإليزي، كان له دور رئيسي في تقسيم السودان وعلاقته الوثيقة ب "جون جارانج " رئيس جنوب السودان السابق وهو أمر لطالما تفاخر به الملياردير الفرنسي، و كان بروزه الفعلي إبان الربيع العربي وتحديدا في الثورة الليبية عندما قام بإقناع الرئيس " نيكولا ساركوزي " بالتدخل في ليبيا، حيث مكث مدة في بنغازي ومن ثم عادي إلى باريس حيث التقى الرئيس الفرنسي وقتها نيكولا ساركوزي وقال له: "إن التدخل الإنساني في ليبيا ليس كافياً بل يجب أن يكون الهدف الحقيقي هو الإطاحة بالقذافي"، ووافق ساركوزي بالفعل، وعين ليفي مبعوثاً له إلى ليبيا" وكان يلقب حينها بوزير الخارجية الثاني، () وأخر بروز له كان في أفغانستان عندما وجه له " احمد مسعود" نجل "شاه مسعود" رسالة حيث قام ليفي بنشرها في الصحف ووسائل الإعلام الفرنسية تحت عنوان: " أنقذوا مقاتلي الحرية في أفغانستان" وكانت الرسالة بسبب تمكن حركة طالبان من السيطرة على البلاد في أوت 2021 وضجت الصحف الفرنسية آنذاك بعناوين مثل: " هل يقود ليفي ماكرون إلى مستنقع الأفغاني"() ، وهو لمدى معرفة الوسط الفرنسي بقوة تأثير الرجل على صناعة القرار السياسي الخارجي في فرنسا.

هيمن خطاب المستشرقين على السياسة الغربية طيلة قرون عديدة إلى يومنا هذا وكان هو المحدد الرئيسي لسياسات الغربية الموجهة نحو الدول الشرقية. ومع صعود اليمين المتطرف على الساحة السياسية الغربية حاليا يتجلى مدى تأثير هذا الخطاب عبر السياسات التي تمارسها هذه الجماعات.

اترك تعليقا 💬

كل التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.